ابن قيم الجوزية

21

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير ، وطريق الضلال تأخذ سفلا ، هاوية بسالكها في أسفل سافلين . وفي قوله تعالى : 15 : 41 قالَ : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ قول ثالث . وهو قول الكسائي : إنه على التهديد والوعيد نظير قوله : 89 : 14 إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كما يقال : طريقك علي ، وممرك علي ، لمن تريد إعلامه بأنه غير فائت لك ، ولا معجز . والسياق يأبى هذا ، ولا يناسبه لمن تأمله . فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال : 15 : 39 لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ، ولا طريق لي عليهم . فقرر اللّه عز وجل ذلك أتم التقرير . وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم . فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط ، لأنه صراط علي . ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ، ولا الحوم حول ساحته ، فإنه محروس محفوظ باللّه . فلا يصل عدو اللّه إلى أهله . فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل ، ولينظر إلى هذا المعنى ويوازن بينه وبين القولين الآخرين ، أيهما أليق بالآيتين ، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السلف . وأما تشبيه الكسائي له بقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ فلا يخفى الفرق بينهما سياقا ودلالة . فتأمله ، ولا يقال في التهديد : هذا طريق مستقيم علي ، لمن لا يسلكه . وليست سبيل المهدّد مستقيمة . فهو غير مهدد بصراط اللّه المستقيم وسبيله التي هو عليها ليست مستقيمة على اللّه فلا يستقيم هذا القول البتة . وأما من فسره بالوجوب ، أي عليّ بيان استقامته والدلالة عليه . فالمعنى صحيح . لكن في كونه هو المراد بالآية نظر . لأنه حذف في غير موضع الدلالة . ولم يؤلف الحذف المذكور ، ليكون مدلولا عليه إذا حذف . بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة . فإنه حذف مألوف معروف . حتى إنه لا يذكر